الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

481

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . وهذا الأمر ليس بجديد ، إذ أن الكثير من الأصدقاء والمخالطين بعضهم لبعض يبغي على صاحبه ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم قلة : وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ( 1 ) ( 2 ) . نعم فالأشخاص الذين يراعون بصورة كاملة في معاشرتهم وصداقتهم الطرف المقابل ، ولا يعتدون عليه أدنى اعتداء ويؤدون حقوق أصدقائهم ومعارفهم بصورة كاملة قليلون جدا ، وهم المتزودون بالإيمان والعمل الصالح . على أية حال ، فالظاهر أن طرفي الخصام اقتنعا بكلام داود ( عليه السلام ) وغادرا المكان . ولكن داود غرق في التفكير بعد مغادرتهما ، رغم أنه كان يعتقد أنه قضى بالعدل بين المتخاصمين ، فلو كان الطرف الثاني مخالفا لإدعاءات الطرف الأول - أي المدعي - لكان قد اعترض عليه ، إذن فسكوته هو خير دليل على أن القضية هي كما طرحها المدعي . ولكن آداب مجلس القضاء تفرض على داود أن يتريث في إصدار الأحكام ولا يتعجل في إصدارها ، وكان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضا ثم يحكم بينهما ، فلذا ندم كثيرا على عمله هذا ، وظن أنما فتنه الباري عز وجل بهذه الحادثة وظن داود أنما فتناه . وهنا أدركته طبيعته ، وهي أنه أواب ، إذ طلب العفو والمغفرة من ربه وخر راكعا

--> 1 - " خلطاء " جمع ( خليط ) وتعني الأشخاص أو الأشياء المخلوطة بعضها مع بعض ، كما تطلق على الصديق والشريك والجار ، ورغم أن الظلم والاعتداء لم يختص بالخلطاء ، إلا أن ذكر هذه المجموعة بسبب وجود الاتصالات المتكررة فيما بينهم ، واحتمال حدوث سوء تفاهم فيما بينهم ، أو بسبب عدم توقع حدوث أي ظلم وطغيان من قبل أولئك . 2 - تركيب الجملة هكذا ( هم ) مبتدأ و ( قليل ) خبر إن و ( ما ) زائدة وردت هنا للمبالغة في القليل .